اسماعيل بن محمد القونوي
186
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله تعالى : [ سورة البروج ( 85 ) : آية 8 ] وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( 8 ) قوله : ( وما أنكروا ) نقل عن الراغب أنه قال نقمت الشيء إذا أنكرته إما باللسان أو بالعقوبة ومنه الانتقام انتهى فالإنكار هنا باللسان مع العقوبة . قوله : ( استثناء على طريقة قولهم ) أي استثناء مفرغ أي وما نكروا شيئا من الأشياء أو وصفا من الأوصاف إلا إيمانهم فالحصر ادعائي . قوله : ( ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب ووصفه بكونه عزيزا غالبا يخشى عقابه ) ولا عيب الخ وهذا من قصيدة للنابغة وهذا يسمى في فن البديع تأكيد المدح بما يشبه الذم وهذا في البيت ظاهر كما بين في كتب المعاني لكن اعترض على هذا بأنه أن الشاعر يعرف أن الفلول ليس مما تعاب وأما الكفرة فإنهم يرون الإيمان أمرا منكرا فالاستثناء فيه على ظاهره وهذا غريب جدا لأن النظم ليس حكاية لكلام الكفرة « 1 » بل هو من عند اللّه تعالى بلا نقل فهو على طبق البيت المذكور فالإيمان باللّه ليس مما يعاب حاشاه عن ذلك لكنه أراد تأكيد مدح المؤمنين بما يشبه الذم وحاصله لو كان الإيمان عيبا لأثبت شيء من العيب فيكون تعليقا بالمحال فيكون نهاية في نفي العيب فالتأكيد فيه من جهة أنه كدعوى الشيء ببينة لأنه علق نقيض المدعي واثبات قوله : استثناء على طريقة قوله ولا عيب فيهم البيت وفي الكشاف وما نقموا منهم ما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان كقوله ولا عيب فيهم البيت قال ابن الرقيات ما نقموا من بني أمية إلا أنهم يحلون أن غضبوا أي ما أنكروا من بني أمية إلا ما هو أصل الشرف والسيادة وهو الحلم عند الغضب وكظم الغيظ أي وما وجد فيهم عيب إلا هذا وهو المجاهد فهو كقوله تعالى على وجه لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلًا [ الواقعة : 25 ] سلاما سلاما في كونه من تأكيد الشيء بما يشبه نقيضه أي ما عابوا إلا هذا وهو إيمانهم باللّه . قوله : ووصفه بكونه عزيزا الخ يعني لم يكتف بقوله أن يؤمنوا باللّه بل أجرى على ذكر اسم اللّه ذلك الأوصاف العظيمة وقررها بقوله : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ [ الأعراف : 158 ] الآية للإشعار الخ وفي الكشاف وذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن ثبه ويعبد وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه حميدر منعما يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه له ملك السماوات والأرض وكل من فيهما يحق عليه عبادته والخشوعه له تقرير الآن ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغي وإن الناقمين أهل لانتقام اللّه منهم بعذاب لا يعدله عذاب لفظة لأن في قوله تقريرا لأن صلة تقريرا وتقريرا مفعول له لقوله ذكر الأوصاف يعني إنما أجرى تلك الصفات العظام لتقرير أن وصف الإيمان الذي عابوا منهم وصف عظيم له جلالة وإن من قصد من اتصف به بالانتقام والعيب كان مبالغا في الغي فإن من يضاد الحق الأبلج يستحق أن ينتقم منه بعذاب لا يساويه عذاب .
--> ( 1 ) وإن كان اعتقاد الكفرة ذلك لكن اللّه تعالى لم يرد بذلك نقل كلامهم بل أراد من عنده تعالى تأكيد المدح .